السيد نعمة الله الجزائري
247
الأنوار النعمانية
وقد ورد في بعض الأخبار ان اللّه إذا أراد ان يبعث الخلق مطر السماء على الأرض أربعين صباحا فاجتمعت الأوصال ونبتت اللحوم . وبالجملة المراد ان شخص النطفة التي خلق منها الميت تبقى في القبر على هيئة الكرة إلى أن يعاد في القيمة ولا استبعاد في بقاءها بحالها بالنظر إلى قدرة اللّه تعالى فلا حاجة إلى تأويلها وانما تبقى على هيئة الكرة لكونها في بدو الفطرة حين كونها في الرحم كذلك لأن الماء بطبعه يقتضي الاستدارة والكرويه حيثما كان كما بين في محله وهذا الحمل وان كان قريبا من حيث اللفظ الا انه بعيد من حيث المعنى إذ بقاء شخص نطفة الرجل التي وقعت في رحم المرئه وخلقت منه الجنين بحالها الأصلي التي وقعت في الرحم ينادي بفساده القواعد الطبية والحكمية وهذه النطفة لا تبقى على هيئة الأستدارة في البدن الذي يكون منها فكيف يبقى بعد فنائه بالقبر . الثالث ان المراد بها التراب الذي يدخل في النطفة كما هو ظاهر بعض الآيات والروايات وان فسروها بغيرها كقوله تعالى مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى وقول أحدهما في صحيحة محمد بن مسلم من خلق من تربة دفن فيها وقل الصادق عليه السّلام في رواية حارث بن المغيرة ان النطفة إذا وقعت في الرحم بعث اللّه ملكا فاخذ من التربة التي يدفن فيها وخلطها في النطفة فلا يزال قلبه عنّ إليها حتى يدفن فيها والمراد باستدارتها اما معناها الحقيقي الذي ان هذا التراب على شكل الأستدارة ويمون محفوظا عليها حتى يبعث فيها أو المجازي أي انتقاله من حال إلى حال بمعنى انه دار على الحالات والشؤون ولو فيها الصحاف والكيزان حتى يخلق منها ولا يخفى ان هذا الحمل أيضا بعيد من حيث المعنى إذ ظاهر ان ما ورد في بعض الأخبار من خلط التراب بالنطفة لا يمكن الأخذ بظاهره فكيف يأول اليه غيره ممن لا يمكن الأخذ بظاهره أيضا . الرابع ان المراد منها أي من الطينة ذرة من الذرات المسئولة في الأزل بقوله تعالى أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ بعد ما جعلت قابلة للخطاب بتعلق الأرواح فيكون بدن كل انسان مخلوقا من ذرة من تلك الذرات فينميها اللّه إلى ما شاء من غاية ثم يذهب ويفنى عنها ما زاد وتبقى الذرة مستديرة في القبر إلى ما شاء اللّه ثم يزيد فيها وقت الأحياء والقيمة تلك الزيادات فيصير كما كان في الدنيا ولا يخفى ما في هذا الحمل من الضعف اما أولا فلأنه لا ريب في أن المسؤول والمقابل للخطاب والمطلوب منه الجواب الروح المجرد القائم لذاته لا الذرة ليحتاج إلى تعلق الروح بها وانما الاحتياج إلى الذرة في أن تصير آلة له في تكلمه الحقيقي بلسانه المقالي ليتمكن بذلك عن الجواب عن السؤال ولا شبهة في أن الذرة التي ماه منها زنة شعير كما في القاموس غير صالحة في هذه الآلية فتعلقه بها مما لا فائدة له في هذه الآلية .